منذر ال جعفر ايام خالدة

22/11/2020 كتابات 52 مشاهدات

كتابات“محمد تحسين الحياني”

منذر آل جعفر أيّامٌ خالدةٌ

هو الجرحُ الذي لا يندمل والهمُّ الذي لا يطاق والكبرياء الذي لا يُكسر
يكتبُ بِلا قيود ويطالع الكتب فيقرأ بحرفية عالية وينام بِلا موعد وعلى رائحة القهوة يستيقظ باكرًا
عندما نكتب عن الكبار فنحن نرتقي نبلغ العُلى نطوفُ حول الأماكن الشامخات فتضيء من فوقنا النجوم الباسقات
يحفظ من الشعر أجوده وهو كثير ولا يكتب القصيدة إلَّا وقد ارتسمتْ بصورها الفنية العميقة وحسَّها الأدبي المرهف تقرأ له ما كتب من الشعر فيتجلى الإبداع وينساب الحنين حنين الذكريات الخوالي
منذر ال جعفر حيث منظر الناعور لا يفارق البال والحديث عن الصبابة التي منذ سنين ما زالت عالقةً في الأذهان
وذكريات منطقة الحويجة التي يفصلها عن مدينة الحديثة جسرٌ خشبيٌ يعرف هذا الجسر كل من بكى واستبكى ووقف على أطلال الأحبة وهام شوقًا لديار الظاعنين وأكل من خبز تنْور الطين
يا حبًا لا يُطالهُ وصفٌ وحنينًا لا تحده حدودٌ وقلبًا يشتعل شوقًا بين الحينِ والحينِ شوق الُبيوت العتيقة والذكريات المحفورة على حيطان الأزقة
نكتب عن آل جعفر فتشتعلُ بين أيدينا الحروفُ وتطوف حولنا المنافي وتتجلى المقاماتُ والهاماتُ والمعالي والكبرياءُ وتحضرنا ذاكرة وطن كان أبو النعمان شاهد إثبات على أهم القضايا والأحداث التي جرتْ
ومن أبرز الشهود على حقبة زمن اثيرت حولها الحكايات واختلف في تفاصيلها المؤرخون

في منطقة الحويجة من مدينة الحديثة التي تحدها المياه من جميع الجهات حيث مسقط الرأس والرصيد الأكبر للذكريات ومن أبٍّ حافظ للقران الكريم وأحد روَّاد المساجد وكبار وجهاء المدينة وأُمًّ أجمع على حبها وطيبة قلبها وكرم يديها جميع أهل المحلة وفي الرابع والعشرين من أيلول عام ١٩٥٦ كانت ولادة منذر آل جعفر
الشخصية التي أثارت استغرابًا كبيرًا وجدلًا واسعًا لما تحمله من ذكاء خارق وفطنة غير طبيعية وبديهية عجيبة فمنذُ الطفولة لم يكن شخصًا عاديًّا
كان منذ صغره يحفظ القصيدة الطويلة في بُضعِ دقائق ولا تمر أكثر من ساعات معدودة حتى ينتهي من قراءة أكبر عدد من الكتب
تخرَّج في ثانوية حديثة ليرحل على عجلٍ عن مدينته تاركًا ورائه إرثًا من الذكريات والحسرات والأمنيات
رحل فلم يشبع من رائحة الجرغد الذي كان يفوح عطرًا خاصًا لأهل الشفقة (والحنيّة)
يشدُّ الرحال طامعًا بالعُلى والنجاحات فيخسر رائحة الفرات التي كانت موعدًا للعشاق ومنبعًا للحب وملتقى الأصحاب والأحباب
أنُّه يتوسلُ الزمن لو يُعيده ليلةً بالقرب من شاطئ وادي الثمانية حيث قصائد عروة بن حزام تغني مع العصافير القادمة من مئذنة جامع الخريزة
وحيث استرجاع ملامح الطفولة الضائعة
والجلوس على عتبة الدار المنسية
والبكاء على فراق الظاعنين فراق اللمات والحبايب لمة أبو مازن وأحاديثه الطريفة والأُختين الراحلتين المرحومتين أمَّ محمد ووجها البشوش وأمَّ أحمد وقهقهتها التي ترد الروح
منذر ال جعفر من الجيل الذي كان أهله ينامون على الأفرشة البالية ويلعبون بأحجار البُيوت المهدمة ويتقاسم الجارُ مع جاره الهموم والأحزان والأفراح والمسرات مع بعضهم إن بكت إحدى البُيوت فالشارع كلهُ في مأتم وإن عمّْت سعادةٌ فيه فالهلاهل والرقص يملأن كل الشوراع القريبة منه
وإن جفا قريبٌ فيهم يشتاق له الأهلون كلهم فيصلوه وإن أخطأ غريبٌ بحقهم سامحوه
لو أنَّك تعيش وسطهم تجد المحبة تتراقص من بينهم ورغم الجوع العوز تنظر إليهم فترى راحة البال مرسومة على وجوههم
لم يعرفوا الحقدَ يومًا ولم يعرف الحقدُ لهم طريقًا قلوبهم واصلةٌ بالنقاء ومحبتهم ثابتة على العطاء
نساءهم بريئات ورجالهم رجالٌ إذا اجتمعوا يجتمع الإحسان وتكتنفهم البركة واذا افترقوا لم يبقَ في القُلُوب إلّا الشوقُ
والمعروف عن آل جعفر أنَّه من ألمعِ وأشهرِ الصُحفيين والكتّاب في تاريخ العراق الحديث لكن قد يغيبُ عن الكثير أنَّه محامٍ ويحمل شهادة البكالوريوس في القانون والسياسة يوم كان الطالبُ فيها يعدل كل شهادتنا العليا والدنيا في يومنا
ويوم كان القانونُ لا تعلو فوقه سلطةٌ ولا يعتريه باطلٌ ولا يتجرأ عليه منحرفُ
وفي نهاية سبعينات القرن المنصرم يدخل الشابُ الموهوبُ ابن العشرينات عالم الصحافة لا طالبًا ولا هاويًا بل يدخلها أستاذًا اجتاح أسماء كانت ترتجف الكواغدُ من أقلامهم
يكتب فتفوح من الكلمة رائحة من روائح الضمير الثابت وعقيدة تربَّت على حب الأرض وينجلي الإفهام في المعنى والايضاح في الصورة وبعمودهِ الصُحفي يتم القصد
فهو من الكُتَّاب النوادر الذين يمتاز عمودهم بالجرأة في الطرح والنقد المباشر غير المبهم ولا المضمر
ولأنَّه من الرجال الذين آمنوا بأنَّ الكلمة مستقلةٌ وأنَّ الوفاء للوطن من أعظم العبادات وأنَّ الحيادية في الكتابة أهم من كلِّ الكتب التي يدرسها طالب الصحافة وأنَّ النقد نصيحةٌ لا شتيمة فكان إذا كتب قُرِأَ له وإذا قال سُمِعَ منه وإذا نبَّهَ تنبَّهوا وإذا حذَّر تحذروا
فشاهد إثبات هي قطعُ الشك من اليقين ومعرفة الصح من الخطأ والغاية التي تنشدها تلك الأقلام التي إنْ كتبتْ صدقتْ والوسيلةُ لكلِّ هولاء الذين لم ينالوا انصافَ مُنصفٍ ولم يسمعْ لهم سامعٌ
لم تكنْ شاهد إثبات بالنسبة لآل جعفر طموحًا يعتاش من خلاله بل كانت رمزًا لكلِّ المنابر الناطقة بالحق ومأوى لكلِّ الباحثين عن الحرية وموطنًا لهؤلاء الذين كانوا يلتحفون الهموم غطاءً لمآسيهم الذين أتعبهم الزمنُ وأنْهكهمُ الجوعُ الباحثون في وطنهم عن وطنٍ
تقرأ مقالةً لآل جعفر فتدهشك معانيها العميقة ومضمونها الرصين وشاعريتها التي تتراقص القُلُوب من جمالها الذي أعطى للجرائد الهيبة في العناوين والفخامة في النتاج
ولا بُدَّ من القول أنَّ الحقبة التي عاشها كانت تعجُّ بالموهوبين والمقتدرين والمبدعين لكنَّ الذي ميَّزهُ عن غيره أنَّه تفرَّد بالعطاء وصنع مدرسة صحفية خاصة لنفسهِ
فكان يرد على الخطأ مهما كان مصدره ويدافع عن زملائه صُحفيين ومحررين وكتَّاب وعاملين مهما كانت الضريبة
ولا يسمحُ لنفسه أنْ يُفرضَ عليه رأيٌ إلّا عن قناعة شخصية فَهو يتفقُ ويختلفُ ويقبلُ ويرفضُ وينا

جميع الحقوق محفوظة لموقع الأنبار © 2019