رباح ال جعفر والحديث عن القمة

18/10/2020 كتابات 53 مشاهدات

“كم هزَّ دوحك من قزمٍ يطاولُهُ
فلم ينله ولم تقصر ولم يطلِ
وكم سعتْ امعاتٌ أن يكون لها
ما ثار حولك من لغوٍ ومن جدلِ”

بقلم الأستاذ: محمد تحسين الحياني

“وفرقتنا ، يا صديقي ، المنافي …
آه ، يا غربة النار في بلد الثلج .. أكلما مرت ريح من جانبك ، تقول : العراق !! ..
وفرقتنا منازل ، كانت لها في القلوب منازل .. وفرقتنا الدير ، والدار ، والديار ، التي عفت محلها فمقامها .. وفرقتنا المسافات ، والحصارات ، والطغاة ، فافترقنا .. فلا سائق الأضعان يطوي البيد طيا ، ولا حادي العيس في ترحاله الأجل ، ولا سارت بالهوى الإبل ، ولا مرت براهب الدير النوق ، والحداة ، والعصافير .. ولست أعرف ما الذي حملنا على السفر في زوابع الشتاء ، وهزيع الليل ، وسط أوحال طرقات ضيقة ، وأزقة موحلة ، وفي برد ومطر .. ويا لعذابات كل تلك الشتاءات والسنين !.
وأحببنا أعزاء من كل القلب ودللناهم .. وكنا نجوع إذا جاعوا ، ونعطش إذا عطشوا ، ونمسح على وجوههم حين يتعبون ، ونقبلهم من جباههم بين المآقي .. وكنا ندللهم ، فنخاطبهم بأصوات ليس فيها حروف .. ونخاطبهم بجمل ليس فيها كلمات ، ونغني لهم بصوت غير مسموع .. وكنا نخاطبهم برؤوس الأصابع ، ونخاطبهم بالراحتين ، فكيف غارت العيون في المحاجر ، ونتأت عظام الوجه يكاد منها الجلد ينشق ، وصار الناس يعدون أضلاعنا بالنظر إليها ، لا يمدون إلى صدورنا يدا ، ولا يجسون الأضلاع ؟!.”

خمسةُ عقودٍ من الإبداع والاحتراف والتألق والنجومية مضتْ وما زال قلمه مفعمًا بالحماس والتحدي والحيوية
هل ما زالت في العمر بقيةٌ؟ أم ما زالت للأدب والفكر قيمةٌ
وإنني ليحضرني قول أبي الطيب المتنبي
“أفي كلّ يومٍ تحت ضبني شويعرٌ ضعيف يقاويني قصيرٌ يطاول
لساني بنطقي صامتٌ عنه عادلٌ و قلبي بصمتي ضاحكٌ منه هازلُ”
وكان يعني بكبار شعراء العرب فكيف بنا ونحن نرى صغار الصحافة جهلاء الفكر فقراء المعاني بسطاء القضية أمام آل جعفر الشخصية الغواصة التي ألهبتْ القلوب عاطفةً َوأنارتْ العقول رؤية ووضوحًا وأشعلت جدلاً واسعاً للفكر العراقي لما تحمل من عمق في التفسير ورصانة في التحليل وثراء في القضية
رباح آل جعفر الاسم الذي لم يرتحْ له بالٌ ولم يهدأ له خاطرٌ ولم يستكنْ له ضميرٌ في خضم الأحداث التي عصفتْ بالعراق
فهل بمقدورنا أنْ نختصرَ الحديثَ عن هذه الشخصيةِ الفذّةِ والعجيبةِ بكلِّ تفاصيلها ؟!

الشخصيةُ التي كانت شاهدةً على أهم الأحداث والحاضرةَ في قلبِ الأزماتِ والواصلة بين تاريخين متناقضين فالحديثُ عنه لعبٌ بالنار والاستطراد عن تاريخه المليء بالحكايات والقصص التي تتحدث عن أبرز القضايا التي جرت في هذا الوطن مجازفةٌ
رحلةُ الكتابةِ عنه رحلةٌ مليئةٌ بالتحدي وتكتفها المخاطرُ من كلِّ الجهات مخاطر الفشل الشخصي وعدم إظهار هذه الشخصية المهمة في تاريخ الصحافة العراقية بالمستوى التي تليقُ بها
وأُجزمُ لو أنَّنا عملنا مقارنةً بين رباح آل جعفر وبين ما تخطهُ الصحفُ الورقيةُ والإلكترونيةُ بأسمائها وعناونينها
لتبيّن أننا نعاني من أزمةِ كتابة!
أزمة الاحتراف في الأسلوب والبراعة في الصناعة وجماليات الصور النثرية التي في كل مرة يدهشنا آلُ جعفر بقدرتهِ الفائقةِ على حياكة كلِّ حرفٍ منها
أنّهُ يتلاعبُ بالمفردات كما يشاء ويخلق هائلةً من الانفعال الحسي لديك كما يريد
ويتعاملُ مع الصياغة اللغوية مثلما يحلو له
ويؤسسُ لنفسهِ مدرسةً أدبيةً خاصةً به فلا يفتعلُ المشاهدَ ولا يستدينُ العباراتِ ولا يهوى التمثيلَ
وفي النهايةِ لا يختلف القارئان الجيّدان في عمق المعنى الذي يتوسدُ مقالاته ولا في غزارة العواطف الملتهبة التي تشعلُ الصدورَ وتخشع لها القُلُوبَ

أنّهُ القوةُ في الأداء الفني الذي يُبنى عليه النتاجُ والجرأة في الطرح الذي لم نراه عند غيره ‘ يثير المشاعر في القلوب وله القدرة الفائقة على توظيف المعنى بشكلٍ رهيبٍ فهو بارعٌ في عرض الأحداث بسلاسة فلا يتخلل لدى القارئ الغموض والإبهام ويمنح للعقل البشري فرصةَ التأمل والتدبر والتفكر فَهوَ ناقدٌ مقتدرٌ يعرف أين تكمن مواطن الخطأ والصح وصحافي محترفٌ أثرى الجرائد والصحف العراقية الهيبة في العناوين والرصانة في المضمون والأمانة في النقل والمصداقية في القول والتي تفتقر إليه صحافةُ اليوم وكاتبٌ موهوبٌ تتراقص كلماته على المسامع كأنّها سمفونيةٌ من سمفونيات بيتهوفن أو قصيدة شعر من روائع المتنبي فعندما يكتب يحضرك الوقارُ ويشُدُّك الانتباهُ وتتلاهفُ العُيُون على جماليات التي خطَّها قلمهُ الماهرُ في بناء قطعةٍ نثريةٍ التي بها يتمُّ الفهم ويوجز القصد وتختصر العبارة
وعندما يغيب عن الأنظار تتلهف العيون شوقاً إلى مخطوطاته وكلماته التي يرسمها وكأنَّها لوحةٌ من لوحات دافنشي أو بيكاسو وسلفادور دالي
آلُ جعفر أبو بلال الكاتبُ والأديبُ والمفكرُ والناقدُ والشاعرُ والصحافي واللغوي والنحوي والمديرُ والرئيسُ والبيانُ والوضوحُ والرؤيةُ والشخصيةُ المخضرمةُ التي جاستْ بقلمها وأسلوبها وفكرها أعرقَ الصُحف مكانةً وأسماها عنونًا فلم يكنْ مكان اجتمع فيه جهابذةُ الأسماء والفخامات والمقامات إلّا وله بصمةٌ ثقافيةٌ وأدبيةٌ تحتلُ مقدمة ذلك المكان فَهوَ من الرجالات التي صحبت أهمّ الأسماء في تاريخ العراق الحديث صاحبهم فتشرفوا بصحبته وتشرف بهم

يكتب عن مدينة الحديثة مسقط الرأس وموطن الذكريات وجمارة القلب وريحانة العمر ومجمع الرفاق وشتاتهم ومنبع الحب وأصل الشجن ولمّة الخِلّان وسمر الأحبة الأنيسة الونيسة والحبيبة الخالدة في التاريخ والعالقة في الأذهان
يكتبها فيبكيها فيبكينا معاً وأتذكرُ عندما داهمها الحصارُ وقتلها الجوعُ واستوطنها الخوفُ وأطفالها يفترشون أكوام الحجر باحثين عن قطعة الحلوى لم يرفع أحدٌ صوته ممن رمتهم الأيّامُ السوداءُ ليختبئوا تحت أسماءٍ مزوّرةٍ وكُتّابٍ مدفوعي الثمن كان وحده من الذين آمنوا بأنَّ الكاتب كلمةٌ والرجل كلمةٌ والشرف كلمةٌ وأنّ الأخلاق لا رهان بها وأنّ الضمير لا مساومة به وأنّ المبدأ لا يتلون وأنّ القيم لا تتغير في عيون الكاتب الحق

 

صورة الكاتب

جميع الحقوق محفوظة لموقع الأنبار © 2019