دكتور غازي هلال الدليمي تجليات شعرية الحزن والوجع قراءة في نص تجليات

09/08/2020 كتابات 86 مشاهدات

شبكة الانبار – كتابات – دكتور غازي هلال الدليمي

تجليات شعرية الحزن والوجع                               قراءة في نص تجليات للدكتور غازي هلال الدليمي.

نص وقراءة !!!

تجليات شعرية الحزن والوجع..قراءة في نص( تجليات)..للدكتور غازي هلال الدليمي

……………………………..

النص.

كأنكِ .. عصاي…

وكأنني موسى…!!!

أحتاجها..أتوكأ عليها..

حين يجتاحني وجع السنين…

لكنها…

تنقلب حيةً تسعى..!

وأيوب الذي بين أضالعي…

يختبئ…

ماعاد يسعفهُ الدُّعا…

ويعقوب الذي بين الجفون..

ثوَّارةٌ دموعهُ…

ماعاد يجديهِ البُكا…

فأين أنت ِ…؟؟؟

يا خيل السّامري…؟؟؟

……………………

القراءة…!

تتجلى في قصيدة تجليات _وإن كانت مقطوعة قصيرة_الكثير من المعاني والدلالات حيث جاءت ألفاظها السهلة الممتنعة أوعية مناسبة جدا لمعانيها المعبرة على المستوى الدلالي والتركيبي وكذا الصوتي..في هذا النص المختزل تنضغط العديد من الصور و التراكيب الشعرية التي جاءت معبرة بوضوح عن وجدان الشاعر وما يكابده من الأوجاع والأحزان إذ يلحظ المتابع تشرب النص لمعاني التوحد مع الموروث العربي القديم والتناص معه ولاسيما النص القرآني الكريم.حيث تجلت بوضوح آلية التناص مع العديد من قصص الأنبياء والمرسلين ولاسيما قصة موسى عليه السلام وقصة أيوب ويعقوب عليهم السلام…بيد أن ذلك التناص لم يأت بمفهومه القديم المحدود كما عهدناه في قصائد الشعراء الاقدمين من حيث حضور النص القرآني بحذافيره داخل ثنيات النص الشعري، بل إن الشاعر تمكن من تحويل تلك البذور القديمة لمفهوم التناص إلى ثمار يانعة طيبة المأكل من حيث قيامه بتوظيف كلمات النص القرآني وقصصه توظيفًا جديدًا معاصرًا يتماشى مع النص الشعري الحديث والمعاصر..فجاءت الجمل الشعرية المتناصة سهلة الفهم لافتة لنظر القارئ مثيرة لكوامن عواطفه…وكان هذا دأب النص الشعري الحديث والمعاصر من حيث تمكنه من مهمة أداء إيصال الفكرة بأقصر السبل إلى ذهن المتلقي.

تأتي فاتحة النص بجملتين شعريتين تحملان تشبيهات شعرية جميلة.

_كأنكِ عصاي..هذا الشطر جاء حاملا تشبيها ثلاثي الأبعاد فهو يجسد قصة المرأة مع صاحبها..من حيث(القسوة)..فشبه تلك المرأة اولا_ بالعصا في قساوتها حين تبطش بغيرها بيد ماسكها،ثانيا_العصا في قساوتها حين تهوي على أوراق الشجر لترديها ضحايا لأفواه الغنم، _ثالثا.العصا في قساوتها حين تنقلب إلى أفعى قاتلة لضحاياها حين تباغتهم..هذه الصفات السلبية_من جهة مبدع النص _ هي ما جاءت مجسدة على نفس الشاكلة في قصة سيدنا موسى عليه السلام حيث أعطى الشاعر العصا صفة التجسيم التشبيهي والأنسنة على وجه الحقيقة تماما كما جاءت في قصة سيدنا موسى عليه السلام{قال هي عصاي…..وأهش بها على غنمي…ولي فيها مآرب أخرى}..تلك المآرب التي بقيت مخفية عن القارئ وربما كانت أكثر نفعا وايجابية..ثم في موضع آخر[…قال ألقها يا موسى فألقاها فإذا هي حية تسعى…] ..كل تلك المعاني جاءت مختزلة في جملة قصيرة واحدة.. (كأنكِ عصاي)..وكأن الشاعر أراد إخبار صاحبته بأقصر السبل عن صفاتها السلبية التي تعامله بها فوجد بغيته في هذه الجملة الشعرية البليغة..في حين بقيت الصفة الإيجابية لتلك العصا(أتوكأ عليها) غائبة عن مشهدية النص لتكون أكثر ملائمة لقصدية الشاعر في تشبيهاته الأولى لذلك حين طلب الشاعر من (تلك العصا_المرأة ) أن تعينه على(وجع السنين ) بالتوكؤ عليها..لم تعطه مناه في أن تكون معينه بل انقلبت للتو إلى(حية تسعى).تلك الصور الشعرية الجميلة الكثيرة المتزاحمة في رأس الشاعر وعلى فوهة قلمه تمكن هذا المقطع الشعري القصير من إيصالها بكل سلاسة إلى ذهن المتلقي ليكسب في النهاية تعاطفه مع قائل النص..

ثم يأتي على الجهة الأخرى من النص تشبيه ثان مضاد للتشبيه الأول تماما حاملا صفات إيجابية لتكون ثنائية متضادة المعنى مع الطرف الآخر ذلك التشبيه يتمثل في تناص الشاعر معبرا عن نفسه وتجربته مع شخصية النبي موسى عليه السلام.

وكأنني موسى..

في قوته المتواضعة وصبره وجلده وسائر صفاته الإيجابية الأخرى، ورغم ذلك إلا إنه احتاج في زمن ما إلى(تلك العصا) لفعل متصف بالانسانية (أحتاجها أتوكأ عليها..) وهنا يمثل في النص نوع من المفارقة نستطيع استشفافها من خلال إنعام النظر في قصة سيدنا موسى عليه السلام إذ كيف لموسى الذي قضى على عدو المستغيث به ابن جلدته بضربة واحدة بوكزة واحدة(فوكزه موسى فقضى عليه…) كيف لمثل مالك هذه القوة الاستعانة بعصا كي يتوكأ عليها..!؟..لكنه لسبب ما احتاج إلى معونة تلك العصا لكنها تتخلى عنه لتنقلب_ حية تسعى _ كل ذلك انسحب ليسقط على شخصية الشاعر وتجربته..وكأنه احتاج في زمن ما إلى تلك المرأة لكي يتعكز عليها من أوجاع السنين..لكنها سرعان ما أشبهت عصا موسى عليه السلام في سرعة تلونها وانقلابها إلى حية ضارة…

ثم تدخل القصيدة مضمارا آخر في مقطع جديد يأتي موضوعه متكلما عن صفة جديدة هي حتما من صفات مبدع النص تلك هي (صفة الصبر) حيث كان الشاعر ذكيا في اختيار آلية التناص بما يناسب مشهد النص هذا مع الموروث العربي القديم فاختار شخصية النبي أيوب عليه السلام الذي يمثل رمزية الصبر دون منازع ليسقط تجربته هذه(صبر أيوب ) على تجربته هو(الشاعر) لكنه كان اكثر دقة في اختيار العضو المناسب للصبر.

وأيوب الذي بين أضالعي.

يختبئ.

ذلك لأن(القلب) هو اكثر أعضاء الإنسان تحملاً للمشاق والمتاعب..لذلك وقع عليه اختيار الشاعر ليكون معادلا موضوعيا للصبر على وجه العموم..بيد أن ذلك القلب لكثرة متاعبه..ملّه الدعاء فلم يعد يسعفه..لذلك توجه ليختبىء في زوايا الضلوع المظلمة…وهنا في هذا المكان يتزاوج الشكل و المضمون…المعبران عن قمة الصبر..ثم تنسحب تلك الأشكال الشعرية المتناصة المذوبة بقالب معاصر نحو مكان آخر لتعبر عن نوع آخر من الصبرالشديد لتصبح محاكاة شعرية معبرة بأشكال مختلفة عن آلية واحدة وهي (الصبر)..وهنا يحاكي الشاعر قصة نبي الله يعقوب عليه السلام الذي يمثل هو الآخر قمة من قمم الصبر حين فقده ابنيه يوسف عليه السلام وبنيامين..دهرا طويلا..وتمكن من صياغة تلك القصة الطويلة باختصار قصير جدا لكنه يمتلك براعة في الإجمال..يقول:

.ويعقوب الذي بين الجفون..

.ثوارة دموعه..

.ماعاد يجديه البكا…

فلشدة فقده ولشدة صبره على ذلك الفقد…صار شديد البكا..وبعض الأشياء حين تصل ذروتها تصبح ولاشك عديمة الجدوى..والبكاء أحد تلك الأشياء..لذلك لم يعد يجدي يعقوب عليه السلام ذلك البكا..لأن ثوران كل شيء لابد أن يؤول إلى هدوء ثم موات…وهذا كان دأب يعقوب عليه السلام حيث آل بعد كثرة ثوران دموعه إلى موت بصره حينا من الزمن…

وبعد غياب جدوى تلك الأشياء تأتي خاتمة النص بمفارقة شعرية انزياحية تحمل الكثير من معاني الغرابة..يقول الشاعر:

.فأين أنت ِ يا خيل السامري..؟؟؟

هذه الجملة الشعرية الخاتمة للنص جاءت تحمل ذلك المعنى الشعري المغيب تحت عباءة الألفاظ،فالمعنى الحقيقي هو( أين أنت يا خيل جبريل_ عليه السلام ).. تلك الفرس التي أخذ السامري بقايا حافرها ليحيي به ذلك العجل المؤله..بيد أن الشاعر اختصر كل هذه الطرق الطويلة تحقيقا لشعرية النص مجملا الكثير من المعاني والألفاظ ليخبر متلقي النص أنه بحاجة إلى خيل جبريل_ عليه السلام_ لتحيي كل ذلك الموات الناتج عن شدة الصبر..كونها مؤيدة إلهيا،لكنه اختار(سامري بني إسرائيل ) اختصارا لتلك الطرق كونه اول من تنبأ بأهلية تلك الفرس للإحياء لذلك التأييد..لذلك اختارها لتكون صادمة لذهن المتلقي الذي لابد له من كد وإعمال كبيرين لاكتشاف هذا المعنى..!!!

على مستوى النص الموسيقي فإن هنالك محاولة جديدة من الشاعر لعلها تكون جريئة نوعًا ما لشق عصا الطاعة مع الموروث العربي القديم وكذا ثورة القصيدة الحرة،حيث حاول النص المزج ما بين نثرية النص المعاصر من حيث الإطار العام وما بين جمل القصيدة الحرة من حيث تعددية التفعيلات الشعرية التي تناوبت عبارات النص تلك التعددية التي أسماها السياب وحزبه ب( التداخل العروضي للبحور الشعرية) حيث تقوم عدة أبحر شعرية بمهمة الهيمنة على تمفصلات النص الشعري فنجد مرة حضورا لبحر الوافر على سبيل المثال ثم مايلبث النص أن يتفلت من سطوة هذا البحر ليجد نفسه في أحضان بحر آخر وهكذا حتى نهاية القصيدة.ذلك الاختراع السيابي وجد قبولا على نطاق واسع عند الشعراء لاسيما الذين جاؤوا بعد السياب وحزبه محاولين إكمال تلك المسيرة.وأيًا كانت الذرائع والأعذار فإن هذا النظام العروضي وجد له حظًا من القبول عند الكثير من الشعراء فصار عندهم إدمانًا لايمكن التخلص منه أو حتى من مخلفاته، لذا فقد جاء هذا النص الذي بين أيدينا مدندنًا بنفس موال السياب لكنه خرج قليلا عن ذلك المسار حيث حاول ابتداع طريقة جديدة لذلك النظام العروضي ذلك أن حضور البحر يأتي جزئيا في تمفصلات النص وليس كليا، أي أن تفعيلة البحر الفلاني تحضر مرة أو مرتين أو ثلاث مرات على مستوى النص ثم ماتلبث أن تسلم الراية لتفعيلة بحر آخر وهكذا على مدار النص،وقد تعود في مكان لاحق تلك التفعيلة الغائبة إلى الظهور مرة أخرى على خريطة إحدى جمل النص الأخرى تبعا لذلك نقول إنها طريقة جديدة مبتدعة ربما قد تلاقي مستقبلا حظا من الوجاهة عند كتاب النص الشعري الجديد..وهذا النص قد تناوبته تفعيلات البحر الكامل(متفاعلن ) وبحر الرمل(فاعلاتن ) وبحر الهزج( مفاعيلن)،مع حضور زحافاتها وعللها في تفصيلات النص وهي جاءت حاضرة حسب هذه الخريطة[مفاعيلن_مفاعيل _فعولن_ لبحر الهزج] وكذا[متفاعلن_متفاعلن متفاعلن_للبحر الكامل] وكذا[فاعلاتن_فاعلاتن_فعلاتن_لبحر الرمل]

هذه التفعيلات الشعرية وإن أخضعت البحور المنتمية إليها لآلية جديدة في الحضور ربما لم تكن موجودة أول زمن ظهورها بيد أنها وضعت النص ضمن خيمة الشعرية مبعدة عنه شبح النثريةوخلصته من الوقوع في خانة{النص المزيف}،وربما جعلت من هذه الطريقة أو الوسيلة جسرا يربط الحداثة بالمعاصرة،وأيا كان الأمر سواء حكم القارئ على النص بنثريته أو حكم عليه آخر بشعريته فإن النفس الموسيقي الواضح في معالمه كفيل بالحكم عليه بالشعرية دون شك.وعلى الرغم من كل ذلك فإن هدف النص الأول والأخير كان متمحورا حول كيفية إبراز ملامح الحزن والوجع في معاني وألفاظ هذه المقطوعة القصيرة من خلال إخضاعه لآلية القراءة النقدية المعاصرة،ذلك الوجع الذي يعد من أبرز وأكثر الآليات المعاصرة محفزا ودافعًا للكاتب نحو الكتابة الإبداعية..!!!

…………………………..

 

جميع الحقوق محفوظة لموقع الأنبار © 2019