المراة العراقية صفر عن اليمين ام عن الشمال

16/07/2020 كتابات 59 مشاهدات

شبكة الانبار – كتابات – دكتور غازي هلال الدليمي 

المرأة العراقية صفر عن اليمين ام عن الشمال

منذ كنا صغارًا كان السمع عندنا يدندن بكثير من العبارات الرقراقة(وراء كل رجل عظيم امرأة ) وان المرأة هي ذلك لوح الزجاج الشفاف اللامع.. لطالما سمعنا أول دخولنا معترك هذي الحياة أن المرأة العراقية القديمة التي كانت تمثل بلاد سومر وأكد وآشور أنها كانت امرأة مجالدة صبورة ذات عزيمة وهمة،وذلك الذي جعلها تصل إلى قمة الطموح وتحقيق الأمنيات بوصولها سدة الحكم في تلك الدول التي كانت توصف بالقوة والشدة..ذلك ما وصلنا من أخبار (سميرا ميس ) تلك المرأة التي اعتلت عرش الملوكية في زمانها..ثم في عصور التأريخ الأولى كانت المرأة العراقية أشهر امرأة مزارعة في ذلك الزمان ذلك ما أعطاها حق القداسة التي وصلت حد العبادة بين أناس تلك العصور وما نساء(كويابا _ وشبعاد )عنا بل عن تأريخنا ببعيد …!!!

تلك المرأة التي كانت ذات قيمة وقيمة كبيرة جداً صنعتها بنفسها وعلى عينها..ولم يتدخل أحد في إيجاد مادة تلك الصناعة في عشرينيات القرن المنصرم تلك الحقبة الزمنية الثمينة التي أنجبت وصنعت تلك الفئة الرصينة من النساء اللواتي صنعن المجد والحضارة والثقافة بل والإنسانية كذلك..فكانت انطلاقة أول نادٍ نسائي(نادي النهضة النسائية )على يد السيدة (نعمة السلطان )ومثيلاتها عام ١٩٢٣، ثم أول مجلة نسوية ( ليلى )عام ١٩٣٣ على يد السيدة(بولينا حسون )ومثيلاتها..ثم جمعية الرابطة النسائية السياسية..ومجلة تحرير المرأة عام ١٩٤٧.. ثم الجمعيات الخيرية النسوية والهلال الأحمر والأم والطفل والإتحاد النسائي على أيدي السيدات، نزيهة الدليمي وروز خدوري وفكتوريا نعمان وعفيفة البستاني وأمينة الرحال.. وغيرهن من صانعات الحياة والأمل والحضارة.. ذلك هو(الصفر)الذي يفخر ويتبختر في أن يكون(عن يمين السارية) لأنه يمتلك قيمة كبيرة ومنفعة جليلة..ذلك هو(الصفر)الذي خرج عن مألوف الأشياء على الرغم من كونه واقفاً في مكانه دون أن يتزحزح مطلقا..
ثم توالت الحقب الزمنية التالية..حقبة الأربعينيات والخمسينيات تلك التي أنجبت(نازك الملائكة. ولميعة عباس عمارة ) في مجال الشعر والنقد .. وكذا (عالية ممدوح .وإنعام كجه جي ) في مجال الرواية و القصة القصيرة..وكذا (مريم نرمة.وبولينا حسون.وزها حديد وليلى العطار ..)في مجال الفن…ثم جاءت الحقبة الثمانينية تلك التي أنجبت(امرأة الحرب..الماجدة ).. التي كانت بمنزلة (النطاق) الذي (تنطق)به رجل ذاك الزمان الجندي وهو في جبهات القتال ..كانت تلك المرأة الماجدة هي سيدة البيت وقائده حين غياب سيده في سوح الوغى..لم تمثل آنذاك _نصف المجتمع_ بل صارت المجتمع كله ونواته الرئيسة في كل مجالات الحياة…فكانت تلك المرأة (واهبة الحياة في زمن كثر فيه الموت)…ذلك الزمن الذي نستطيع الحكم فيه على المرأة العراقية بأنها كانت تمثل ليس(صفراً واحداً  عن يمين السارية الشامخة) بل مثلت أصفاراً كثيرة لها القيمة الكبرى في مجتمع المعاناة… ثم جاءت حقبة التسعينيات حقبة الحرب الكبرى والحصار..المعاناة المزدوجة..تلك التي مثلت امتداداً لحقبة الثمانينيات وهذه المرة لم تكن الماجدة العراقية (صفراً )عن يمين السارية فحسب بل إنها أخذت مكان السارية وصارت هي السارية الشامخة نفسها..لماقدمته إلى الأجيال من دروس الصبر والتضحية والفداء والنضال…تستحق من الرجال الوقوف حيالها بصمت وإجلال طويلين..لكن..لما خيمت علينا حقبة التحرير وما بعده تحول الهلال من البدر إلى المحاق الدائم..حقاً إنه كان تحريراً حقيقياً حيث حرر الماجدة من مجدها وعرّاها من عزها وسؤددها وأصبحت والحالة هذه رائدة بامتياز لكن ليست رائدة فضاء أو أدب رفيع، بل أصبحت رائدة في(الفيس بوك) وكذا في الفن الكوميدي المبتذل غير الهادف..تخلت الماجدة في بلادي عن عطائها وأصبحت مثل(عارضة الأزياء الميتة) تطيل الوقوف أزماناً طويلة لكن لا أحد ينظر إليها _روحاً وجوهراً_ بل جُلُّ نظر الناظرين إلى ما عُلق ويعلق على هذه(العارضة)من أنواع الثياب ..فكيف لا تكون والحالة هذه _ صفراً عن شمال السارية..؟! تلك المرأة التي ناضلت كثيراً وكافحت أيام نازك الملائكة من أجل صناعة مجدها وعزها و دفعت الأثمان الغالية دونه، تتنازل الآن عنه طواعية دون أن يجبرها أحد على ذلك..!!!
في حين يذبحنا التساؤل مرات ومرات .. ما الذي قدمته لنا وللمجتمع نساؤنا المعاصرات؟! غير جلوسهن في زوايا مظلمة على الكراسي المهترئة وكأنهن جالسات بغية الرسم والتصوير..جُلُّ همها (الجم والدايت والريجيم) ليس غير…!!!
وهنا يختتم تساؤلنا هذا المشهد الذي كان ضياؤه مهيمناً على ظلامه ثم عاد ذلك الظلام وكذا_ الظلاميون_ ليفرض سطوته وسلطته على نور المشهد ذابحاً إياه من الوريد إلى الوريد..نتساءل..ما الذي قدمه(التحرير الأميركي )..وسواه..من أحزاب و حركات وجماعات للمرأة العراقية غير التقهقر نحو الوراء وصولاً إلى تلك الصفوف الخلفية البعيدة تلك التي انتهت بها إلى أن تكون مجرد(صفر إلى الشمال..)
كيف تعيد المرأة العراقية مجدها الضائع؟كيف لها العودة إلى المراكز الأولى مرة أخرى؟..جواباً عن ذلك التساؤل…لابد من تشخيص الداء _كما يقال_ لكي يتسنى لنا تشخيص الدواء !! ولا شك في أن الداء الذي أصاب نساءنا بكل فئاتهن كثيرة أسبابه، خطيرة عدواه، ولاسيما أن هذه العدوى كان لها الأثر الفاعل حين انتشارها سريعاً في نقل بذور الداء من فئة إلى أخرى ،لابد للمرأة أن تتخلى قليلًا عن (كبرياء الخراب الإجتماعي ومواقعه ) تلك التي كانت أحد أهم أسباب الضياع المجتمعي النسوي عندنا…ذلك الخراب الذي كان سبباً في سرقة أغلى ما يمتلكه الإنسان على وجه العموم والنساء على وجه الخصوص..ذلك هو(الوقت) ذلك الوقت الذي يعدُّ أساس الكثير الكثير من الأشياء في حياتنا..ذلك الخراب الذي زعم أصحابه أنه جالب الثقافة المعاصرة لمدمنيه..!!! وكذا لابد لهن من التأسي بأسلافهن من النساء اللواتي صنعن مجدهن و مجد مجتمعاتهن بأيديهن وبأفكارهن وبآدابهن لكي يتسنى لهن إعادة ذلك المجد المضاع أو على الأقل المحافظة على بعض نواته بغية إعادة البناء مرة أخرى..!!!
……………………….

جميع الحقوق محفوظة لموقع الأنبار © 2019